كتابات وآراء

المناهج العلمية والقضايا اليمنية الشائكة

افتتاحية العدد ١٠٣ من صحيفة التصحيح

الوطن الذي كان يوماً ما قلب التجارة العالمية ومهد الحضارات القديمة، لا يزال يحمل في جغرافيته الشامخة وتاريخه العريق ما يبرهن على عظمة الإنسان اليمني وقدرته على البناء والإبداع.. فمن سبأ وحِمْيَر إلى حضرموت ومعين، ومن السدود العظيمة إلى القوافل التي جابت الآفاق، ظل اليمن شاهداً على عبقرية المكان والإنسان، ومركزاً للتواصل بين الشرق والغرب، وموطناً للتنوع الطبيعي والثقافي.. هذه المزايا التاريخية والجغرافية هي ذخيرة يمكن استدعاؤها لتأسيس نهضة جديدة إذا ما أُحسن توظيفها بعقل علمي ومنهج رصين.

غير أنّ الواقع الراهن يشي ببلدٍ مثقلٍ بالفقر والجوع، ممزقٍ بالصراعات الداخلية وحروب الوكالة، منهارةٍ مؤسساته، متشظٍ نسيجه الاجتماعي، حتى غدا المواطن أسير الحاجة والاضطراب، والشباب رهائن البطالة والحرمان.. وقد زاد الطين بلة انتشار المليشيات والعصابات والمافيات، وفي مقدمتها جماعة الحوثي وتنظيم القاعدة، اللذان امتزجا وتخادما وجعلا من اليمن ساحةً لتصفية الحسابات الإقليمية، وأداةً في حروب لا ناقة للشعب فيها ولا جمل، سوى مزيد من الدماء والمعاناة.. إن استمرار هذه التدخلات يضاعف من انهيار الدولة، ويعمّق الشرخ الاجتماعي، ويقوض أي محاولة لحل شامل وبناء مؤسسات مستقرة.

هنا تتجلى أهمية المناهج العلمية والبحث الأكاديمي، إذ لا يمكن مواجهة هذه الظواهر بالارتجال أو الخطاب العاطفي، بل بالتحليل الدقيق والتشخيص الموضوعي.. فالمقاربة التاريخية تعلمنا أن اليمن عرف دورات من القوة والضعف، وأن تجاوز الأزمات كان دوماً مرهونًا بوعي جماعي وإرادة صلبة.. أما البحث العلمي في مجالات السياسة والاجتماع والاقتصاد، فهو السبيل إلى فهم جذور التطرف، وتشخيص أسباب انهيار المؤسسات، ورسم خطط واقعية لإعادة البناء.. من الوسائل الناجعة للتخلص من التطرف والمليشيات، تعزيز التعليم الذي يغرس قيم التسامح والاعتدال، وتطوير برامج ثقافية وإعلامية تكشف زيف الخطاب المتطرف، وتبني وعياً وطنياً جامعاً يذيب العصبيات الضيقة والولاءات الطائفية.. كما أن إعادة بناء الجيش والأمن على أسس مهنية ووطنية، بعيداً عن الولاءات الحزبية والقبلية والمناطقية، يعد شرطاً لازماً لاستعادة هيبة الدولة، وإيقاف تمدد العصابات والمافيات.

ولا بد من وعي شعبي يضمن إيقاف المليشيات الحوثية عن التدخل في الحروب الإقليمية، إذ إن انعكاساتها المؤلمة على الواقع اليمني لا تُحتمل، والشعب لم يعد قادراً على دفع أثمان صراعات خارجية تُدار على أرضه.. إن تحييد اليمن عن هذه النزاعات، وإعادته إلى دوره الطبيعي كبلدٍ مستقلٍ ذي سيادة، هو ضرورة وجودية، وليس خيارًا سياسيًا مجردًا؛ فالمناهج العلمية تقتضي أن يُعاد توجيه الموارد نحو التنمية، وأن يُستثمر الموقع الجغرافي في التجارة والاقتصاد، لا في الحروب والدمار.. كما أن تعزيز النسيج الاجتماعي يتطلب برامج مصالحة وطنية، تُعيد الثقة بين المكونات، وتُرسخ الهوية الجامعة، وتُذيب الانقسامات التي غذتها المليشيات ورعاتها من خارج الحدود.

إن اليمن يقف اليوم على مفترق طرق حاسم، فإما أن يستسلم لدوامة الفقر والتطرف والصراع، وإما أن ينهض بمناهج العلم والبحث والتخطيط ليعيد لنفسه مكانته بين الأمم.. وليس من سبيل إلى ذلك إلا بإحياء روح المسؤولية، وتغليب العقل على الهوى، والعلم على الجهل، والعمل على التواكل.. فاليمن الذي أنجب الممالك وبنى السدود وصنع الأمجاد وبلغ قادته يومًا مشرق الشمس ومغربها قادر، إذا ما استعاد وعيه العلمي وأوقف تدخل المليشيات في حروب الآخرين، وتجاوز العصبيات السلبية؛ أن يبني دولة حديثة، ويقيم مؤسسات راسخة، ويعيد لحضارته ألقها، ولشعبه كرامته، ولتاريخه امتداده في المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى