التاريخ لا يزور… والحقائق لا تُحجب

د. جمال الحميري
في كل مرحلة تمر بها الأمم، يظهر من يحاول إعادة صياغة التاريخ بما يخدم مصالحه الضيقة، أو يطمس الحقائق ليصنع رواية بديلة لا تستند إلى الوقائع، بل إلى الرغبات والخصومات. غير أن التاريخ، بطبيعته، لا يُكتب بالأهواء، ولا يُمحى بالحملات الإعلامية، بل يظل محفوظًا في ذاكرة الشعوب، وفي منجزاتها التي لا يمكن إنكارها أو القفز فوقها.
لقد أصبحت محاولات تزوير التاريخ وتغيير الحقائق المتعلقة بمسيرة الزعيم الشهيد علي عبدالله صالح ظاهرة لافتة في الآونة الأخيرة، يقف خلفها من يسعون إلى تشويه الحقائق أو طمس صفحات واضحة من تاريخ اليمن الحديث. غير أن مسيرة الزعيم، بما حملته من محطات وإنجازات، تبقى واضحة للعيان، شاهدة عليها عقود من العمل السياسي والتنفيذي الذي ارتبط بفترة حكم المؤتمر الشعبي العام، والتي شهدت مراحل من البناء والتنمية وتعزيز الأمن والاستقرار في ظروف كانت معقدة ومحفوفة بالتحديات.
إن ما تحقق خلال ثلاثة عقود من بنية تحتية، ومشاريع تنموية، والحرية والممارسة الديمقراطية، وتوسيع لمؤسسات الدولة، وتعزيز لحضور الدولة داخلياً وخارجياً، يمثل واقعًا لا يمكن إنكاره أو التقليل من شأنه. فالإنجازات لا تُحجب كما لا تُحجب الشمس، ولا ينكرها إلا من اختار تجاهل الوقائع أو تغليب المواقف على الحقائق.
وما يثير الانتباه اليوم، هو تلك المحاولات المتكررة لمحو التاريخ أو إعادة تفسيره بصورة انتقائية، وكأن الذاكرة الوطنية يمكن إعادة تشكيلها وفق رغبات لحظية أو حسابات سياسية ضيقة. إن مثل هذه المحاولات لا تعكس قوة في الطرح، بقدر ما تعكس حالة من الارتباك والخوف من الحقيقة، لأن التاريخ الحقيقي يبقى حاضرًا مهما تعددت روايات التشويه.
لقد أدرك المتابع الواعي اليوم أن هناك حملات ممنهجة تُدار بأساليب متعددة، تهدف إلى خلق صورة ذهنية مشوشة، وإعادة صياغة الوقائع بطريقة تخدم أهدافًا محددة. غير أن هذه الحملات، مهما بلغت شدتها، لم تعد قادرة على التأثير بذات القوة التي كانت عليها في السابق، لأن الوعي الشعبي بات أكثر نضجًا، وأكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل.
إن الشعب اليمني اليوم أكثر فهمًا وإدراكًا لطبيعة ما يجري، وأكثر قدرة على قراءة المشهد بوعي ومسؤولية. ولم يعد من السهل تمرير الروايات المضللة أو فرض سرديات مصطنعة، لأن الناس باتوا يدركون حجم التضليل، ويقارنون بين ما يُقال وما عاشوه من واقع وتجارب.
إن الدفاع عن التاريخ لا يعني التقديس، كما أن نقد التجارب لا يعني الإنكار. فالتاريخ الوطني هو سجل متكامل من الإنجازات والتحديات، ومن النجاحات والإخفاقات، لكنه في النهاية يظل ملكًا للشعب، لا يحق لأحد مصادرته أو إعادة كتابته وفق أهوائه.
إن المرحلة الراهنة تتطلب خطابًا وطنيًا واعيًا، يضع الحقائق أمام الناس، ويعتمد على التوثيق والشواهد، لا على ردود الأفعال الانفعالية. كما تتطلب من الجميع إدراك أن حماية الذاكرة الوطنية ليست ترفًا، بل مسؤولية، لأن الأمم التي تفقد ذاكرتها، تفقد قدرتها على صناعة مستقبلها.
وفي ظل ما نشهده اليوم من محاولات متكررة لتزييف الوقائع، يبقى الرهان الحقيقي على وعي الناس، وعلى قدرتهم في التمييز بين الحملات المنظمة والحقائق الثابتة. فالتاريخ لا يُمحى، والحقائق لا تُطمس، والإنجازات التي عاشها الناس وشهدوها بأعينهم، لا يمكن أن تتحول إلى مجرد روايات منسية.
إن من يحاولون اليوم تزوير التاريخ أو طمس الحقائق، إنما يواجهون واقعًا جديدًا عنوانه وعي شعبي متزايد، وإدراك متنامٍ لطبيعة الحملات الممنهجة التي تستهدف تشويه الوقائع. وسيظل التاريخ، بما يحمله من حقائق، شاهدًا على أن الإنجاز الحقيقي لا يختفي، وأن الحقيقة، مهما طال الزمن، تبقى أقوى من كل محاولات التزييف.




