كتابات وآراء

نحنُ أمامَ هُوية وطن وليس أكشاكٌ عابرة

تشهد اليمن، في الآونة الأخيرة، حالة مقلقة من تفشي الكيانات الصغيرة والتكتلات المناطقية والواجهات الضيقة، التي بات خطابها يتقدّم على خطاب الوطن، وتتصدر المشهد على حساب الاسم الأكبر والأشمل: اليمن. هذه الظاهرة، وإن اختلفت مسمياتها ودوافعها، تشترك في نتيجة واحدة خطيرة، وهي تفكيك الوعي الوطني وإضعاف فكرة الدولة الجامعة.

إن الانتماءات المناطقية، مهما حاولت أن تتزيّن بشعارات خدمية أو مطالب محلية، تتحول حين تنفصل عن الإطار الوطني إلى أدوات تشظٍ لا تبني دولة ولا تحمي سيادة، بل تكرّس واقع التجزئة وتعيد إنتاج الصراع بأشكال جديدة. فالوطن لا يُدار بالأكشاك السياسية المؤقتة، ولا تُصان الدول بتكتلات تعرّف نفسها بما هو أصغر من اليمن وأضيق من هويته.

اليمن ليس اسمًا عابرًا ولا لافتة جغرافية، بل هو هوية جامعة، وتاريخ واحد، ومصير مشترك، ودمٌ امتزج في كل الجغرافيا شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا. وهو الوطن الذي نفخر بالانتماء إليه، ونعتز باسمه، ونفطر ونُصبح على محبته، وندرك أن أي مشروع لا يمر عبر بوابته الوطنية الواسعة هو مشروع ناقص، مهما بدا صوته عاليًا.

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحن بحاجة إلى توحيد الكلمة والجهد والهوية، لا إلى تشظية الخطاب وتعدد الرايات. بحاجة إلى الدفاع عن سيادة اليمن لا عن مناطق معزولة، وعن الدولة لا عن النفوذ، وعن المشروع الوطني لا عن المصالح المؤقتة. فالمناطق تُحمى بالدولة، والحقوق تُصان بالقانون، والكرامة لا تُستعاد إلا تحت سقف وطن واحد وسلطة واحدة.

إن الرهان الحقيقي ليس على تضخيم الهويات الصغرى، بل على استعادة الهوية الكبرى الجامعة، التي وحدها القادرة على جمع اليمنيين، وإنهاء الفوضى، وبناء دولة عادلة يتساوى فيها الجميع دون تمييز مناطقي أو سياسي. فاليمن أكبر من كل التكتلات، وأبقى من كل الأكشاك، وسيظل الاسم الذي يجمعنا مهما حاول البعض تصغيره.

اليمن أولًا… لأنه الوطن الذي لا بديل عنه، ولا كرامة خارجه، ولا مستقبل إلا في ظله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى