الجغرافيا السياسية وحتمية المصير في مواجهة مشاريع التفتيت

الوحدة اليمنية في عمقها الفلسفي والسياسي، تمثل استجابة طبيعية لنداء الأرض والتاريخ، ودرعاً حصيناً ضد محاولات التآكل الداخلي والتدخل لخارجي؛ وفي ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، يبرز الحفاظ على هذا المنجز كأولوية قصوى تترفع عن المناكفات الحزبية الضيقة، لتقف سدأً منيعاً أمام دعوات التشظي التي لا تعدو كونها انتحاراً سياسياً وجماعياً.

اكتسب الدعوة للحفاظ على الوحدة زخمها ومشروعيتها من ذاكرة وطنية حية تأبى النسيان؛ فها هي ذكرى الثلاثين من نوفمبر (عيد الجلاء) تقف شاهداً حياً على رفض الشعب اليمني في الجنوب للوصاية الأجنبية ولمشاريع التجزئة التي حاولت الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس فرضها عبر «اتحاد الجنوب العربي» الهجين؛ إن طرد المستعمر في 30 نوفمبر لم يكن مجرد تحرير للأرض، بل كان تمهيداً لتوحيد الشتات اليمني، حيث كان ثوار أكتوبر وسبتمبر يؤمنون بأن اليمن لا يكتمل إلا بالتحام شطريه.

في سياق النضال الجمهوري، تأتي ذكرى الثاني من ديسمبر، ذكرى انتفاضة الزعيم الشهيد علي عبدالله صالح، لتعيد تصويب البوصلة الوطنية؛ إن هذه الانتفاضة لم تكن مواجهة عسكرية فردية، بل كانت صرخة جمهورية في وجه مشروع كهنوتي سلالي يحاول اختطاف الدولة والعودة بها إلى عصور ما قبل الدولة الوطنية.. لقد قدم الزعيم صالح ورفاقه في هذه الانتفاضة دليلاً دامغاً على أن الدفاع عن “الجمهورية” و”الوحدة” هو خط متلازم؛ فلا جمهورية بلا وحدة تضمن قوتها، ولا وحدة بلا جمهورية تصون حقوق مواطنيها وتمنع استئثار سلالة أو جماعة بالحكم؛ إن استلهام روح 2 ديسمبر يعني رفض المشاريع الصغيرة، سواء كانت مغلفة بغطاء مذهبي (سلالي) أو بغطاء مناطقي انفصالي.

من منظور العلوم السياسية والاقتصادية، تمثل الوحدة اليمنية «قيمة ضرورية مضافة» فالدولة الموحدة تعني سوقا اقتصادية واسعة، وتكاملا في الموارد بين الثروات النفطية والمعدنية والزراعية والسمكية، وعمقاً بشريا يشكل قوة عمل هائلة، فضلاً عن السيطرة الاستراتيجية الموحدة على باب المندب، مما يمنح اليمن ثقلاً جيوسياسياً لا يمكن تجاهله.. وعلى النقيض تماماً، فإن الانقسام والتشظي لا يولد إلا «دويلات فاشلة» متناحرة، تفتقر لمقومات البقاء، وتتحول سريعاً إلى بيادق في أيدي قوى إقليمية، مما يحول اليمن إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية بالوكالة؛ إن دعاة الانقسام يغفلون عن حقيقة مرعبة وهي أن الانفصال لن يعيد «دولة الجنوب» كما كانت، ولا «دولة الشمال» كما كانت، بل سيفتح الباب لـ «بلقنة» اليمن إلى كانتونات مجهرية متناحرة على أساس القرية والقبيلة والشارع، مما يدخل البلاد في دوامة عنف لا نهاية لها.

الحفاظ على الوحدة يتطلب بالضرورة معالجة الاختلالات التي شابت الممارسة السياسية.. وهذا يتطلب وجوب ترسيخ مبدأ أن «اليمن لجميع أبنائه»، وذلك من خلال الاحتكام الصارم للدستور والقانون كمرجعية وحيدة؛ إن الآفات الثلاث: المناطقية التي تفتت الجغرافيا، والسلالية التي تدعي الحق الإلهي في الحكم وتنسف مبدأ المساواة، والشللية (المحسوبية) التي تنخر مؤسسات الدولة، هي معاول هدم يجب تجريمها دستورياً وشعبياً.. يجب أن يكون المعيار الوحيد لتولي المناصب العامة هو الكفاءة والنزاهة، وأن يكون المواطن في صعدة أو المهرة أو عدن أو تعز متساويا تماما في الحقوق الواجبات أمام القانون، دون أي تمييز.

يُعد الاعتداء على المؤسسات الحكومية، عسكرية كانت أو مدنية، أو تعطيل عملها، أو نهب مقدراتها، جناية كبرى وخيانة عظمى لا تسقط بالتقادم..

بجب أن يدرك الجميع أن الدولة ومؤسساتها هي ملك للشعب وليست ملكاً لنظام حكم أو حزب، والحفاظ عليها هو حفاظ على كيان المجتمع.. كما يجب مغادرة مربع «المظلومية المناطقية» واستبداله بمربع «الشراكة الوطنية»؛ الحل ليس في هدم المعبد (الانفصال)، بل في إصلاح بنيان الدولة (الحكم الرشيد، اللامركزية الإدارية الواسعة، التوزيع العادل للثروة والسلطة).

ولازم الابتعاد الكلي عن خطاب الكراهية والتحريض المناطقي؛ يجب على النخب المثقفة والإعلامية تبني خطاب توعوي يركز على المشتركات الوطنية ويحذر من مغبة الانزلاق وراء مشاريع التفتيت المُمَولة خارجيا؛ وإعادة الاعتبار لرمزية المناسبات الوطنية، وتجديد العهد بالحفاظ على النظام الجمهوري والوحدة اليمنية، ورفض مشاريع الولاية السلالية أو الكانتونات الانفصالية.

إن الوحدة اليمنية ليست صنما نعبده، بل هي مصلحة نعيشها وحصن نحتمي به.. التفريط فيها هو تفريط في السيادة، وفي الكرامة، وفي مستقبل الأجيال القادمة.. فلنكن بمستوى وعي ثوار أكتوبر وسبتمبر، وبشجاعة رجال الثاني من ديسمبر، لنصنع يمنا يتسع للجميع، دولة مؤسسات وقانون، لا دولة طوائف وعصابات.

Exit mobile version